جان لوئيس بوركهارت
237
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
رحلت فيها من دراو عدد من الغلمان - لم يكد الغلام منهم يبلغ العاشرة - يصحبون آباءهم ، ومتى بدأ أحدهم هذه التجارة مرة ألف الخروج بعدها كل سنة في رحلتين على الأقل حتى تتقدم به السن . وقد رأيت في دراو أفرادا كانوا يباهون بأن أجداد أجدادهم كانوا تجارا في قوافل سنار . ويشتهر تجار دارفور في القاهرة بأنهم أسخى في الدفع من تجار طريق القوافل الشرقية ، وهم يودعون في تجارتهم رأسمال أكبر ويؤتمنون على قروص أوفر لا سيما في أسيوط حيث يبتاع الكثير منهم بضاعتهم . ومن اليسير على القارئ إذا راجع ما ذكرت عن أثمان السلع المختلفة أن يدرك أن أرباح المصريين من وراء هذه التجارة باهظة ، والواقع أنه ما من سلعة مصنوعة في مصر أو أوروبا إلا وتباع في شندى بضعفى ثمنها الأصلي في مصر أو بثلاثة أضعافه ، وكذلك تبلغ نسبة الربح في حاصلات الجنوب حين تباع بمصر . نعم إن العقبات التي تعترض سبيل التجارة ثقيلة مرهقة ، فمن جشع الأمراء الذين تمر القوافل بأملاكهم ، إلى نفقات النقل بالصحراء ، إلى تكاليف إطعام العبيد ، إلى إتاوة العبابدة وما يفرضه باشا مصر « * » من مكوس على التجارة ، ولكن أرباحها برغم كل ذلك عالية جدا ، ولست أشك في أن مجموعة طيبة من السلع تشحن من دراو إلى شندى تغل من الربح الصافي - بعد بيع البضاعة المجلوبة في العودة بدراو - ما نسبته 150 % على أيسر تقدير . بل إنني سمعت أن الزاملة من السنبل والمحلب غلت في القاهرة فائدة قدرها 500 % بعد المقايضة عليها بالرقيق في سوق شندى . ولقد وجد التجار المصريون مؤخرا أن الريالات أربح السلع الأوربية لهم لأنهم يستطيعون أن يشتروا بها توا ما شاءوا من إبل . على أن هذا الإيثار للريالات رهن باستمرار التهافت على الإبل في مصر لاستخدامها في النقل من قنا إلى القصير وفي تموين الجيش التركي بالحجاز . وقلّ من أغنياء التجار في مصر من رحل إلى شندى برأس مال كبير ، ومن
--> ( * ) تفرض الحكومة اليوم ضريبة قدرها ستون قرشا على كل عبد يجلب لصعيد مصر . ويحتكر الباشا شراء أهم السلع كالرقيق والعرديب وريش النعام والنطرون ( من دارفور ) ، فهو يدفع فيها لتجار السودان ثمنا حدد أقصاه ، ثم يبيعها على هواه بربح باهظ .